بينما توقفت عملياً رحلات شركات الطيران الأجنبية إلى إيران عقب الحرب والتوترات الإقليمية، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على قطاع الطيران الإيراني قد تجعل عودة هذه الرحلات أكثر تعقيداً وصعوبة، حتى بعد انحسار المخاطر الأمنية.
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 8 سبتمبر/أيلول، فرض عقوبات على 27 شركة طيران إيرانية وتسعة أفراد وشركات على ارتباط بقطاع الطيران الإيراني.
وشددت الوزارة على أنها، في إطار "حملة العزل الاقتصادي" ضد إيران، استهدفت "جميع شركات الطيران الإيرانية المتبقية". وكانت شركات عدة بينها "ماهان إير" و"إيران إير" خاضعة بالفعل لعقوبات أمريكية.
وفي الوقت نفسه، علّقت الولايات المتحدة عدة تراخيص تتعلق ببعض الرحلات وخدمات الطيران المرتبطة بإيران، وحذّرت المؤسسات المالية من شبكات ضالعة في شراء طائرات وقطع غيار لصالح إيران.
وقالت الخطوط الجوية التركية، الناقل الوطني لتركيا، التي كانت قد علّقت في وقت سابق رحلاتها من إيران وإليها بسبب الحرب، لبي بي سي فارسي في 9 سبتمبر/أيلول، إن إلغاء الرحلات سيظل سارياً حتى الأول من مارس/آذار 2027. ولم توضح الشركة سبب استمرار التعليق.
ويثير الإعلان عن العقوبات الجديدة تساؤلات بشأن ما إذا كانت القيود الجديدة ستُحدث فرقاً عملياً، في ظل العقوبات الواسعة المفروضة بالفعل.
فهل ستغلق هذه العقوبات الباب أمام الرحلات الأجنبية إلى إيران؟ وهل ستجازف تركيا أو الإمارات أو أي دولة أخرى بالتعرض لعقوبات أمريكية من خلال استقبال رحلات تشغّلها شركات طيران إيرانية خاضعة للعقوبات؟
في 8 سبتمبر/أيلول، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على 36 كياناً وشركة، بينها 27 شركة طيران إيرانية، بما في ذلك "آسمان"، و"آتا"، و"إيران إيرتور"، و"كيش إير"، و"كارون"، و"قشم إير"، و"ساها"، و"سبهران"، و"تابان"، و"وارش"، و"زاغروس".
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
وكان عدد من شركات الطيران الإيرانية مُدرجاً على قوائم العقوبات الأمريكية. ويوسّع الإجراء الأخير نطاق العقوبات ليشمل جميع شركات الطيران الإيرانية النشطة المتبقية.
ويستند هذا الإجراء إلى قرار أمريكي صدر في 24 أغسطس/آب يقضي بتصنيف قطاع الطيران الإيراني على أنه واحد من قطاعات اقتصاد البلاد، التي يمكن أن يؤدي العمل فيه أو إجراء معاملات مرتبطة به إلى تعريض الأفراد والشركات لعقوبات أمريكية.
وعقب هذا القرار، بات بإمكان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية أيضاً فرض عقوبات على العاملين في هذا القطاع.
ويُحظر على الأفراد الأمريكيين إجراء معاملات مع الشركات الخاضعة للعقوبات، ما لم تكن المعاملة مستثناة أو مصرحاً بها بموجب ترخيص.
كما تُجمّد أصول هذه الشركات في الولايات المتحدة، أو الأصول التي يملكها أو يسيطر عليها أفراد أمريكيون.
وينطبق القيد أيضاً على الشركات التي يمتلك الأفراد الخاضعون للعقوبات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، منفردين أو مجتمعين، ما لا يقل عن 50 في المئة منها.
لكن بيان الإجراءات الأمريكية الأخير لا يقتصر على إيران. ففي الوقت نفسه، فرضت الولايات المتحدة عقوبات أيضاً على شركات أجنبية قالت وزارة الخزانة إنها ساعدت "ماهان إير" في نقل طائرات أو شحن بضائع أو شراء قطع غيار أو تقديم خدمات تمثيل تجاري.
ويشمل هذا شركات في تركيا والإمارات وماليزيا وكازاخستان والمملكة المتحدة. وتقول الحكومة الأمريكية إن شركة "إيه إس سيستم" التركية نسّقت نقل شحنات لصالح "ماهان إير"، شملت مكونات طائرات مسيّرة ومعدات صناعية، بينما قدّمت شركة "مس كارجو" خدمات وكالة مبيعات للشركة.
في حين، أعلنت المملكة المتحدة أيضاً في مجلس العموم في 8 سبتمبر/أيلول حزمة جديدة من العقوبات على إيران.
وفي قطاع الطيران، سيُحظر على طائرات الشحن الإيرانية، مع استثناءات محدودة، الهبوط في المملكة المتحدة اعتباراً من 29 سبتمبر/أيلول. ولا ينطبق هذا الإجراء على شركات الطيران الأجنبية التي تُسيّر رحلات إلى إيران.
بدأ التعليق الحالي للرحلات الأجنبية إلى إيران قبل فرض العقوبات الجديدة. ومع اشتداد الحرب وتصاعد حالة انعدام الأمن في أجواء المنطقة، واجهت شركات الطيران مخاطر إغلاق مجالات جوية، وتغييرات مفاجئة في مسارات رحلات، وتهديدات ناجمة عن صواريخ وطائرات مسيّرة، وارتفاع تكاليف التأمين، وصعوبات التخطيط لأساطيل الطائرات.
ومن بين شركات الطيران التي توقفت رحلاتها إلى إيران أو جرى تعليقها، الخطوط الجوية التركية، وطيران الإمارات، والخطوط الجوية القطرية، وفلاي دبي.
ويُظهر رد الخطوط الجوية التركية على بي بي سي فارسي في 9 سبتمبر/أيلول، أن تعليق رحلاتها من إيران وإليها سيستمر حتى 1 مارس/آذار 2027.
ولم تُصرح الشركة بأن العقوبات الأمريكية كانت سبب إلغاء رحلاتها. فقد تم التعليق أصلاً على خلفية الحرب والمخاوف المتعلقة بالسلامة والأمن. ومع ذلك، قد تصبح العقوبات الجديدة عاملاً حاسماً في المرحلة المقبلة، عندما تنظر شركات الطيران في ما إذا كانت ستعود إلى إيران.
ولهذا السبب، فإن انتهاء التوترات أو تراجعها لن يعني بالضرورة استئناف الرحلات.
فإلى جانب تقييم الظروف الأمنية، سيتعين على شركات الطيران التأكد من أن الطائرات التي تستخدمها وقنوات الدفع وعقود التأمين وخدمات المطارات، لا تتعارض مع اللوائح الأمريكية.
بالتزامن مع فرض العقوبات على شركات الطيران الإيرانية، علّق مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، عدة تراخيص كانت تتيح في السابق تشغيل بعض الرحلات الأجنبية المرتبطة بإيران.
وكان أهمها "الترخيص العام J-1"، الذي كان يسمح، بشروط محددة، لشركات طيران غير أمريكية بتسيير طائرات خاضعة للوائح الأمريكية إلى إيران، شريطة ألّا تبقى الطائرة في إيران لأكثر من 72 ساعة وأن تظل تحت سيطرة الشركة الأجنبية نفسها. كما شملت تراخيص أخرى المدفوعات المتعلقة بمرور الطائرات الأجنبية عبر المجال الجوي الإيراني.
وتكمن أهمية هذا التغيير في أن اللوائح الأمريكية لا تنطبق فقط على الطائرات المصنوعة في الولايات المتحدة. فإذا كانت عشرة في المئة من قيمة الطائرة تتكون من سلع أو مكونات أو تقنيات خاضعة للضوابط الأمريكية، فإن الطائرة تخضع لهذه اللوائح أيضاً.
وقال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية إن الطائرات المصنعة خارج الولايات المتحدة، بما في ذلك الطائرات الأقدم، قد تتجاوز هذه النسبة أيضاً. وهذا يعني أن طائرة إيرباص، على سبيل المثال، لا تكون بالضرورة خارج نطاق هذه القيود لمجرد أنها صُنعت في أوروبا.
وقبل تعليق "الترخيص العام J-1"، كان بإمكان شركات الطيران غير الأمريكية استخدام مثل هذه الطائرات للتوقف لفترات قصيرة في إيران وفقاً لشروط الترخيص. أما الآن فيجري سحب ذلك الترخيص.
ونتيجة لذلك، سيتعين على شركات الطيران التي تخطط لتسيير رحلات إلى إيران أو إبقاء طائرات فيها أو عبور مجالها الجوي تقييم وضع الطائرة وقنوات الدفع والأطراف المتعاقدة بصورة منفصلة. وقد تحتاج، بحسب تفاصيل كل حالة، إلى ترخيص خاص من السلطات الأمريكية.
وبعد إلغاء التراخيص الأمريكية، على الشركات الأجنبية إنهاء عقودها السابقة مع شركات الطيران الإيرانية بحلول 23 سبتمبر/أيلول. وبعد ذلك، لن يكون من الممكن مواصلة مثل هذه الأنشطة من دون الحصول على ترخيص منفصل.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن الطلبات المتعلقة بسلامة الطيران ستُراجَع فيها كل حالة على حدة.
وقد يكون هذا النهج مهماً في الحيلولة دون وقوع مخاطر على سلامة الطيران، لكنه لا يمثّل في حد ذاته تصريحاً عاماً باستئناف الرحلات التجارية الاعتيادية إلى إيران.
ولا تقتصر تداعيات القرار على الطائرات نفسها.
فكل رحلة دولية تعتمد على شبكة من العقود والخدمات، بدءاً من التأمين والتزود بالوقود والخدمات الأرضية، وصولاً إلى نقل البضائع وبيع التذاكر والتحويلات المالية وخدمات التموين. وفي بعض الحالات، قد تحتاج شركة طيران أجنبية أيضاً إلى اتفاق مع شركة طيران إيرانية لنقل الركاب أو البضائع.
وبما أن جميع شركات الطيران الإيرانية أصبحت الآن مستهدفة بالعقوبات، فقد أصبحت ترتيبات من قبيل إصدار التذاكر بنظام المشاركة بالرمز، ونقل الركاب، والتمثيل التجاري، أو خدمات الشحن التي تشمل هذه الشركات - أكثر حساسية بالنسبة إلى الأطراف الأجنبية.
ولذلك، حتى إذا كانت شركة طيران أجنبية قادرة من الناحيتين التشغيلية والأمنية على العودة إلى إيران، فقد يرى مصرفها أو شركة التأمين أو مزودو خدمات المناولة الأرضية أو الوقود أو الشحن أن استمرار التعاون ينطوي على مخاطر كبيرة جداً من منظور العقوبات.
لا تنص الوثائق الصادرة في 8 سبتمبر/أيلول، صراحةً على أن كل شركة غير إيرانية ستتعرض للعقوبات لمجرد تشغيل رحلة ركاب إلى إيران.
لكن وزارة الخزانة الأمريكية حذّرت في بيانها، من أن الشركات والأفراد الذين يساعدون شركات الطيران الإيرانية الخاضعة للعقوبات، بدءاً من نقل الطائرات وخدمات الشحن وصولاً إلى التمثيل التجاري، قد يواجهون عواقب. ويشير هذا التحذير، إلى جانب العقوبات المفروضة على وسطاء أجانب، إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى استهداف الشبكات التشغيلية والمالية التي تدعم شركات الطيران الإيرانية.
