في الأشهر التي تلت هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تحدث المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي عن تغير في الحسابات الإقليمية، متصوراً مستقبلاً يُجبَر فيه أعداء الجمهورية الإسلامية على قبول الوضع الجديد لـ "محور المقاومة". فمن وجهة نظر الزعيم الإيراني، كان الهجوم الذي أطلقت عليه حماس اسم "عملية طوفان الأقصى"، تمهيداً لتغيير موازين القوى في المنطقة، وهي توقعات واجهت لاحقاً تحديات كبيرة.

لمواكبة هذه التطورات، وسّعت إيران نطاق استخدام قدراتها العسكرية ووظفت موقعها الجغرافي؛ حيث لعبت الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرة على تعطيل طرق التجارة الإقليمية دوراً مطّرد الأهمية في مساعي طهران لفرض أثمان باهظة على خصومها.

وعلى الرغم من أن الجماعات الحليفة لا تزال جزءاً من هذه الحسابات، إلا أن هناك حالة متزايدة من عدم اليقين بشأن الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها هذه الجماعات، وبشأن الثمن الذي قد تدفعه جراء ذلك.

فكيف حدث هذا التحول في أولويات إيران وأدوات نفوذها؟ وكيف تراجعت الثقة في مفهوم "العمق الاستراتيجي" لصالح مساعٍ لاستعادة القدرة على الردع داخلياً في ظل الحرب المستمرة؟

في السنوات التي سبقت السابع من أكتوبر، كانت العلاقات العسكرية التي تربط إيران بجماعات مسلحة إقليمية جزءاً من ترتيبات وصفها مسؤولو الجمهورية الإسلامية بأنه صمام أمان للبلاد.

وقد كان وجود "حزب الله" على حدود إسرائيل، إلى جانب جماعات حليفة في العراق وحلفاء إقليميين آخرين، يعني أن أي مواجهة مع إيران قد تتصاعد لتصبح صراعاً متعدد الجبهات بالنسبة للخصم. ولعبت سوريا، بصفتها مركزاً جغرافياً رئيسياً، دوراً محورياً في الربط بين هذه الجماعات.

ولقد طُبقت هذه الاستراتيجية بهدف جعل قدرات الجماعات المتحالفة مع طهران في المنطقة عائقاً أمام أي عدو قد يفكر في شن هجوم على الأراضي الإيرانية.

في الوقت نفسه، استعدت الجمهورية الإسلامية لمواجهة خصوم يتفوقون عليها في القوة الجوية والأسلحة التقليدية، وذلك من خلال تطوير الصواريخ والطائرات المسيرة وغيرها من أدوات الحرب غير المتكافئة. وقد أدى نقل بعض هذه الأصول إلى الحلفاء إلى خلق رابط بين القدرات العسكرية الإيرانية وحضورها الإقليمي.

وفي حديثه إلى بي بي سي فارسي، يقول حميد رضا عزيزي، الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية في (مجموعة الأزمات الدولية): "في نظر صناع القرار العسكري والاستراتيجي في الجمهورية الإسلامية، وفرت الجماعات التي تشكل ما يسمى 'محور المقاومة' عمقاً استراتيجياً لإيران، ما أتاح لطهران تحديد مسرح الصراع العسكري بعيداً عن حدودها. وفي الوقت ذاته، كان الهدف من وجود هذه الجماعات وقدراتها العسكرية، عرقلة وصول العدو بشكل مباشر إلى إيران".

ولم يقتصر دور استخدام الجماعات المتحالفة مع طهران على خلق عمق إقليمي فحسب، بل أتاح لها أيضاً خوض جزء من صراعها مع أعدائها فيما يعرف بـ "المنطقة الرمادية"، ما سمح لها بالحفاظ على حالة من الغموض بشأن مدى تورطها في عمليات محددة؛ إذ يوفر هذا الغموض هامشاً أكبر لضبط مستوى الرد أو تجنب توسيع نطاق المواجهة.

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

ومع استمرار حرب غزة وتوسع الهجمات الإسرائيلية، تضررت مقوّمات هذه الترتيبات تدريجياً، وفرضت ظروف جديدة نفسها على المنطقة.

فقد أدى إضعاف حركتي حماس وحزب الله إلى تقليص قدرات حليفين إيرانيين مهمين، في حين أدى سقوط حكومة الأسد إلى القضاء على موطئ قدم لطهران في بلد كان يسهّل الربط بين مناطق النفوذ الإيراني في كل من العراق ولبنان.

بعبارة أخرى، شكّلت خسارة سوريا ضربة للترابط الجغرافي بين ما يُعرف بـ "محور المقاومة".

في هذا السياق، يقول عزيزي: "كانت خسارة الحلفاء وفقدان الامتداد الجغرافي عمليتين مترابطتين أديتا إلى تآكل العمق الاستراتيجي لإيران".

وفي معرض الحديث عن توقيت بدء تغير سلوك طهران، يشدد مايكل يونغ، محرّر منصة "ديوان" وكبير المحررين في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، على مسار الهجمات الإسرائيلية المباشرة.

ويقول لبي بي سي فارسي: "في رأيي، لم يبدأ التغيير مع أحداث 7 أكتوبر بحد ذاتها، بل بدأ عندما تحركت إسرائيل لمهاجمة إيران بشكل مباشر. ومع تحول الاستراتيجية الإسرائيلية نحو المواجهة المباشرة، أصبح الإيرانيون يعتمدون بشكل أكبر بكثير على قدراتهم الردعية الذاتية، وهو ما رأيناه لأول مرة من خلال استخدام الصواريخ ضد إسرائيل".

ووفقاً لهذا المنظور، لعب سلوك الطرف الآخر دوراً حاسماً في تغيير حسابات طهران، حيث كان الهجوم على مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق في أبريل/نيسان 2024، وما تلاه من تبادل للهجمات المباشرة، جزءاً من العملية ذاتها.

ولقد كشفت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025 والمواجهة التي تلتها في العام التالي بوضوح أكبر عن قصور الاستراتيجية التي كانت تهدف إلى احتواء مخاطر الحرب وإبقائها بعيدة عن الأراضي الإيرانية.

ومع ذلك، يصعب فصل أثر ضعف حلفاء إيران عن القرارات السياسية والعسكرية التي اتخذتها إسرائيل والولايات المتحدة، أو عزو اندلاع الحرب إلى عامل واحد بعينه.

ورغم ذلك، ثمة أمر بدا جلياً بحلول نهاية تلك الفترة، وهو أن اعتماد إيران على قدرات الجماعات الإقليمية قد أخفق في تحقيق الهدف الذي وُضِعت من أجله هذه الاستراتيجية، ألا وهو "إبقاء نيران الحرب بعيدة عن الأراضي الإيرانية".

مع تصاعد المواجهة المباشرة، باتت طهران تعتمد بشكل أكبر من ذي قبل على أدوات تخضع للسيطرة المباشرة لقواتها المسلحة للتأثير على حسابات خصومها.

وقد أدت الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة التي استهدفت إسرائيل والقواعد الأمريكية، إلى جانب التهديدات الموجهة لحركة التجارة البحرية، إلى توسيع نطاق تكاليف الحرب لتتجاوز ساحة المعركة المباشرة بكثير.

وبالنسبة لدولة لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة عسكرياً بالطرق التقليدية، يوفر هذا النهج وسيلة لتعقيد استمرار الصراع؛ إذ تنطوي هذه الاستراتيجية على أن عرقلة صادرات الطاقة أو تهديد الممرات الملاحية يمارس ضغوطاً لا تقتصر على الأطراف المتحاربة مباشرة، بل تمتد لتشمل الحكومات والشركات التي لم يكن لها أي دور في القرار الأولي بمهاجمة إيران.

ويبدو أن طهران تأمل في أن تؤثر هذه الضغوط على عملية صنع القرار في واشنطن، مع أن تحويل الخسائر الاقتصادية إلى تنازلات سياسية ليس أمراً مضموناً بأي حال.

ويقول عزيزي في معرض شرحه للدور المتطور لشبكة حلفاء الجمهورية الإسلامية: "إن 'محور المقاومة' يشكل الآن عنصراً مكملاً لاستراتيجية إيران القائمة على 'الردع بالعقاب'.

وترتكز هذه الاستراتيجية على القدرات الصاروخية الإيرانية إلى جانب موقعها الجغرافي، لاسيما مضيق هرمز. وبات في إمكان الجماعات الحليفة - عند الضرورة وبدعم إيران أو بموافقتها الضمنية - تعزيز التأثير الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية على خصومها وفي ساحة المعركة".

وبالتالي، ورغم ما يبدو من تغيّر في الثقل النسبي لمكونات الاستراتيجية الإيرانية، إلا أن هذا لا يعني التخلي عن الروابط الإقليمية مع الجماعات الحليفة في أنحاء الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه، برز مضيق هرمز كعامل رئيسي - وظفته إيران بشكل أوضح من ذي قبل - للتأثير على ديناميكيات الحرب؛ ففي أعقاب اندلاع صراع عام 2026 ومقتل زعيم الجمهورية الإسلامية، اكتسب هذا الممر المائي الاستراتيجي دوراً أبرز في الحسابات الأمنية الإيرانية.

ورغم أن التهديد بعمليات الشحن كان يشكل جزءاً من موقف طهران منذ فترة طويلة، إلا أن تفعيل هذه القدرة عملياً عزز مكانتها كأداة لفرض تكاليف باهظة على الخصم.

فالموقع الاستراتيجي لهذا الممر المائي، يمنح إيران القدرة على التأثير في تجارة الدول الأخرى. وقد أدى تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع تكاليف حماية السفن والتأثير على قرارات ملاك السفن وشركات التأمين ومشترِي النفط.

وصرّح بيرند كاوسلر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جيمس ماديسون، في معرض شرحه لآليات هذا الضغط، قائلاً: "ركزت سيناريوهات عديدة تتعلق بمضيق هرمز على زرع الألغام فيه والعمليات التي تستغرق وقتاً طويلاً لإزالتها".

وأضاف كاوسلر مؤلف كتاب "الدبلوماسية النووية الإيرانية: سياسة القوة وتسوية النزاعات"، في حديثه لبي بي سي فارسي قائلاً: "ومع ذلك، اتضح أن في إمكان إيران استخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة وقابلة للاستهلاك لبث الرعب في نفوس شركات الشحن، لدرجة تجعلها غير راغبة في المخاطرة".

هذا التقييم لأثر الهجمات على عملية اتخاذ القرار لدى الشركات، يشير إلى أن نطاق التعطيل قد يتجاوز بكثير مجرد الأضرار المباشرة التي تلحق بالسفن نفسها.

في الوقت نفسه، قد يشير الاستخدام الأوسع لهذه الأدوات إلى تحولٍ في كيفية تقييم صناع القرار الإيرانيين للمخاطر؛ إذ يرى بعض المحللين أن الهجمات الأخيرة عززت الاعتقاد السائد في طهران بأن الحذر والردود المحدودة لا تجبر الخصم بالضرورة على ممارسة ضبط النفس المتبادل. ومن هذا المنظور، لا يكتسب التهديد مصداقيته إلا بوجود استعداد ملموس لتنفيذه.

ويُعد هذا أحد التفسيرات السائدة للسلوك الإيراني الأخير. ويشرح مايكل يونغ الدور المتنامي لقدرات إيران العسكرية المباشرة في هذه الحسابات، قائلاً: "يكمن جوهر معادلة الردع الإيرانية اليوم في قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وفي قدرتها على إغلاق مضيق هرمز".

وأضاف: "لقد باتت إيران تشارك الآن بشكل مباشر في تحديد وتنفيذ استراتيجيتها للردع. وهذا التحول لم يلغِ دور القوى الإقليمية الحليفة التي تواصل إيران الاستعانة بها".

ولاشك في أن حديثه عن القدرة على إغلاق المضيق، يعكس تقييمه لأوراق الضغط التي تمتلكها إيران، كما أن جدوى هذا الضغط واستدامته يعتمدان على رد فعل الطرف الآخر.

وبناءً على ذلك، فإن توسيع نطاق الاعتماد على القدرات المحلية، ينطوي على نتيجتين محتملتين متزامنتين: فهو يجعل القدرة على الرد أقل ارتباطاً بتحركات الحلفاء، وفي الوقت نفسه يعرّض إيران بشكل مباشر أكثر لتبعات المواجهة المباشرة؛ إذ أن القدرات ذاتها التي تمنح إيران تفوقاً أو ورقة ضغط أثناء الصراع، يمكن أن تتحول هي نفسها إلى أهداف لهجمات لاحقة.

وفي الوقت نفسه، مثّل الاستهداف المباشر للقادة العسكريين الإيرانيين جانباً جديداً في هذا الصراع؛ إذ أثبت أن الجمهورية الإسلامية قد حافظت على قدرتها على الرد من داخل البلاد رغم تلك الضربات.